السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
29
مفاتيح الأصول
إذا نسب الأمر إليه ولو انعكست النسبة قيل صدق والفعيل يأتي بمعنى الفاعل كالعليم والرحيم وبمعنى المفعول كالقتيل والجريح فإن عني هنا الأول كان معنى الحقيقة الثابتة وإن عني الثاني كان معناها المثبتة والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة فلا يقال شاة أكيلة ولا نطيحة وأما المجاز فإنه مفعل من الجواز أعني التعدي والعبور يقال جزت موضع كذا أو من الجواز المقابل للوجوب والامتناع وهو في الحقيقة راجع إلى الأول فإن غير الواجب والممتنع متردد بينهما وكأنه تنتقل من أحدهما إلى الآخر ويسمى المجاز اللفظي فلذلك فإنه نقل من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي فكأنه جاز موضعه فسمّي مجازا الثانية اختلف عبائر القوم في تعريف الحقيقة والمجاز ففي الذريعة اللفظ الموصوف بأنه حقيقة هو ما أريد به ما وضع ذلك لإفادته إما في لغة أو عرف أو شرع ومتى تأملت ما حدت به الحقيقة وجدت ما ذكرناه أسلم وأبعد من القدح وحد المجاز هو اللفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته في لغة ولا عرف ولا شرع وفي العدّة حد الحقيقة هو ما أفيد به ما وضع له في اللغة ومن حقه أن يكون لفظه منتظما لمعناه من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل إلى غير موضعه وأما المجاز فهو ما أفيد به ما لم يوضع له في اللغة ومن حقه أن يكون لفظه لا ينتظم معناه إما بزيادة أو نقصان أو بوضعه في غير موضعه وفي الغنية الحقيقة عبارة عن اللفظ الذي أريد به ما وضع لإفادته إما في لغة أو عرف أو شرع والمجاز بالعكس من ذلك وفي المعارج أظهر ما قيل في الحقيقة هو كل لفظة أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به والمجاز هو كل لفظة أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به لعلاقة بينهما وفي المبادي الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب والمجاز استعماله في غير ما وضع له في أصل تلك المواضعة وفي التهذيب المراد من الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة التي وقع المخاطبة بها والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لأجل مناسبة لما وضع له اللفظ وفي النهاية اعلم أن الحقيقة والمجاز متقابلان وحدّ أحدهما يغني عن الآخر وقد اختلف الناس في حد الحقيقة فقال الشيخان أبو علي وأبو هاشم الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان والنقل واختاره أبو عبد الله البصري أولا وحينئذ يكون المجاز هو الذي لا ينتظم لفظه معناه إما لزيادة أو نقصان أو نقل وقال أبو عبد اللَّه البصري أخيرا الحقيقة ما أفيد به ما وضعت له والمجاز ما أفيد به غير ما وضع له نقله فخر الدين عنه ونقل أبو الحسين البصري عنه في التعريف الأخير أن الحقيقة هي ما أفيد به ما وضع له في اللغة التي يتكلم المرء بها سواء كان ذلك في أصل اللغة أو في عرف الشرع أو في عرف الاستعمال وقال ابن جني الحقيقة ما أقرت في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة والمجاز ما كان بضدّه وقال عبد القاهر الحقيقة كل كلمة أريد بها عين ما وقعت له في وضع واضع وقوعا لا يستند فيه إلى غيره كالأسد للبهيمة المخصوصة والمجاز كلما أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول وقال أبو الحسين البصري الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به والمجاز ما أفيد به معنى مصطلحا عليه غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها لعلاقة بينه وبين الأول والأخير لم يذكره ولا بد منه وإلا كان وضعا جديدا وفي المنية الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة التي وقعت المخاطبة بها من حيث هو كذلك والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اللغة التي وقعت بها المخاطبة لأجل مناسبة لما وضع له من حيث هو كذلك وفي الزبدة الحقيقة لفظ مستعمل في وضع أول والمجاز في غيره وفي الإحكام الحقيقة في الاصطلاح الأصوليين هو اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة كالأسد المستعمل في الحيوان الشجاع العريض العالي والإنسان في الحيوان الناطق وإن شئت أن تحمل الحقيقة على وجه يعم الحقيقة العرفية والشرعية قلت الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب وأما المجاز فهو مخصوص في اصطلاح الأصوليين بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها ومن اعتقد كون المجاز وضعيّا قال في حدّه هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة لما بينهما من التعلق ومن لم يعتقد كونه وضعيّا أبقى الحد بحاله وأبدل المتواضع عليه بالمستعمل وإن أردت تحديده على وجه يعم المجاز العرفي والشرعي قلت اللفظ المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له في الاصطلاح الذي به التخاطب لما بينهما من التعلق وفي مختصر المعاني الحقيقة اللفظ المستعمل في وضع أول والمجاز المستعمل في غير وضع أول على وجه يصح وفي مختصر المفتاح للقزويني الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب والمجاز المفرد هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح به التخاطب على وجه يصحّ وزاد في المطول مع قرينة عدم إرادته انتهى والأمر في هذا الاختلاف سهل كما لا يخفى وينبغي التنبيه على أمرين الأول اعلم أنه قد استفيد من هذه